السبت، 8 فبراير 2014

فتنة المثقفين بين الثقافة والدين عبد الكريم غلاب

لامفهوم للثقافة
لامفهوم للثقافة
الثقافة هي الحياة
المثقف حي مادام ارتباطه بالثقافة يتطور تطور الثقافة نفسها.
مشروع الثقافة لم يصل إلى نهايته، ولم يتوقف منذ كان الإنسان. فليس لمشروع ثقافي أن يزعم أنه حقق الهدف، وليس لإنسان يتثقف - من المهد إلى اللحد - أن يزعم أنه وصل.
ربما كان العاملون في الحقل الثقافي هم أشقياء المتعلمين، الذين يسيرون دائما وراء سراب يحسبونه قريبا، وهو في الحقل الثقافي بعيد.
كثير من المثقفين يعرفون هذا، ويعيشون، بعناد، مع مشروع الثقافة، حتى ليقضون، ولم يحققوا منه ما يريدون.
سعداء بهذا الشقاء. فالمتعة الفكرية التي يحققونها، وهم يقرأون وهم يكتبون وهم يفكرون ويحللون وهم يجادلون ويحاورون، لاتعادلها متعة مادية ولامعنوية أخرى.
ظِماء دائما للمعرفة. كلما قرأوا وجدوا أنفسهم دون ما كان يجب أن يقرأوا، يجدون أنفسهم يستقبلون الجديد ويكتشفون القديم مما يجب أن يقرأوا. الحقل غني معطاء، ولو أعلن اليائسون عن ارتياعهم من زحف الصحراء. كلما فكروا أو كتبوا يجدون أنفسهم في الخطوة الأولى من الألف ميل، دون الخطوة الثانية بقية حياتهم.
يحاصرهم صخب الحياة في زوايا مهجورة معزولة. ومع ذلك يتصوفون، فيقنعون بالزاوية الضيقة المعتمة يستعينون بقنديل ديوجين مؤمنين بأنهم سيجدونها.
لولا المحاصرة والفقر والمكابدة وانصراف الضجة عنهم لمات المشروع منذ عهد أرسطو وأفلاطون.
يكاد المجتمع لايعترف بالثقافة والمثقفين ولو أخذ ينشئ لها في كل حكومة وزارة هزيلة تنفي التهمة عن الحكومة، أكثر مما تنشر للثقافة رداء، أو تغرس لها حقلا، أو توسع لها فضاء. في بلد عربي - غني ثقافيا، وكل شيء نسبي - ارتأى اتحاد الكتاب بمناسبة تأسيسه أن يقوم بزيارة مجاملة لرئيس الحكومة، فكان أول سؤال وضعه على نخبة المثقفين والكتاب :
- من أنتم ؟ وماذا تعملون ؟
دخلوا مع السيد الرئيس مدرسة رفع الأمية. وكانوا سعداء، وهو صادق في تجاهلهم.
وما يزال المثقفون يسيرون نحو السراب تحدوهم عزيمة لا تلين، وشكوى تنطلق أحيانا من حناجر مبحوحة، لا تطيق التجاهل والهجران والعزلة.
سئل نجيب محفوظ مرة : ماهي أبرز متاعبك في حياتك الطويلة ؟
أجاب : ضعف بصري وشلل يدي، وعدم قدرتي على القراءة والكتابة.
تذكر الماضي فأضاف : وأكبر متاعبي في الماضي مالقيته من دور النشر.
متاعب كل مثقف هي متاعب الثقافة. والأبطال هم الذين يجتازون المتاعب جميعها فيكتبون، عل بعض ما يكتبون يقنع قارئا فتحدث المعجزة : اتصال فكر بفكر وتنمية أسرة المثقفين.
وما يأخذ الآن باهتمام الثقافة، ويتفجر على لسان المثقفين هو طغيان التكنولوجيا على الحياة : المشاهدة تغني عن القراءة، والأنترنيت يرمي بالكتاب في زاوية مظلمة، إلا إذا اقتحم البيت بغير استئذان. ولا مكان للمثقفين في عالم المال تربح منه مؤسسة واحدة مليون دولار في الدقيقة. يدير العملية في المؤسسة شاب سقط في امتحان كل فروع المعرفة حتى حساب المليون. ولكنه يتمتع بحاسة المراباة فتعتز المؤسسة بعبقريته.
أمام طغيان التكنولوجيا والانبهار بالأرقام يختفي القلم والكتاب. ولكنهما يلجآن إلى الزاوية الضيقة المعتمة وقنديل ديوجين.
فسيجدونها.
لا مفهوم للثقافة.
مفاهيمها بين السماء والأرض.
تلك المسطورة بالقلم في الكتاب، بالريشة في اللوحة، بالإزميل في التماثل، بالوتر في النغم...
تلك التي توحي بها الأديان والمعتقدات والتواريخ والأساطير والخرافات...
تلك التاوية في الأشجار، والورود، والأزهار والألوان... في الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والصحراء، والبحار، والأنهار، والرياح... في العواصف والرعود. في السماء حينما تلملم سحبها فتمطر : أو تجلو عنها فتصحو مشرقة هادئة ناعمة حانية...
تلك النابعة من الفكر والقلب والروح والنفس جميعا، نابعة منها حينما تهتدى فتسبح في متاهات الخير والحب والعدل والعطاء والمعرفة والابداع...
حينما تضل فتبدع الشر متحركا في فضائه، وتبدع الكراهية والجور، وصراع الانسان والحضارات، والتنكر للتاريخ، وجحود المستقبل...
تلك النابعة من العقل وهو يفكر في الواقعيات والغيبيات، يكتشف، يبتكر، ينظر... يزهو بالنظرية يحسبها علما لدنيا... تهوي بين يديه في سخرية من عقل لم يصل.
السراب يحسبه الحقيقة. وما تزال سرابا يبتعد كلما جد في السير...
نجاح العقل، إخفاقه، مسيرته وراء سراب الحقيقة. ذلك حظ الثقافة من العقل العالم.
أفرأيت لو حاول المثقف أن ينغمر في كل هذا الفضاء الرحب أيكون مثقفا ؟
أفرأيت لو أتيح له من المعرفة والإحساس والذوق والريادة وعمر نوح وصبر أيوب، أيصل إلى مفهوم الثقافة ؟
لا مفهوم للثقافة.
هذا الكتاب قد يكون نقطة في محيطها. ولكنه قد يحقق خطوة في المسيرة. ليس نتاج ارتجال أو مجرد عنوان تنضاف إلى عناوين. ولكنه يحاول. والذين أحدثوا حدثا في مسيرة الثقافة كانوا دائما يحاولون.
حسبي أن يربط صلة فكرية مع عدد من القراء، مهما تكن محدوديته. وسأكون سعيدا بأني حققت الكثير من خلال صلة فكرية مع فكر قارئ. لولا اعتزازي بهذا الذي قد يتحقق لما بذلت فيه من الجهد ما أقنعني بأني فعلت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق